لسان الدين ابن الخطيب
9
الإحاطة في أخبار غرناطة
تبيّن ، وحقّ رأيته عليّ قد تعيّن ، بذلت فيه جهدي ، وأقطعته جانب سهدي ، لينظم هذا البلد بمثله ، مما أثير كامنه ، وسطّرت محاسنه ، وأنشر بعد الممات جانبه « 1 » : [ الوافر ] وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو * بصاحبك الذي لا تصبحينا فلم أدع واحدة إلّا استنجدتها ، ولا حاشية إلّا احتشدتها ، ولا ضالّة إلّا نشدتها ؛ والمجتهد في هذا الغرض مقصّر ، والمطيل مختصر ، إذ ما ذكر لا نسبة بينه وبين ما أغفل ، وما جهل أكثر مما نقل ، وبحار المدارك مسجورة « 2 » ، وغايات الإحسان على الإنسان محجورة ؛ ومن أراد أن يوازن هذا الكتاب بغيره من الأوضاع فليتأمّل قصده ، ويثير كامنه ، ويبدي خبائنه « 3 » ، تتّضح له المكرمة ، ولا تخفى عليه النّصفة ، ويشاهد مجزي السّيّئة بالحسنة ، والإغراب عن الوصمة والظّنّة ، إذ الفاضل في عالم الإنسان ، من عددت سقطاته ، فما ظنّك بمفضوله . وللمعاصر مزية المباشرة ، ومزيد الخبرة ، وداعي التشفّي والمقارضة ؛ وسع الجميع السّتر ، وشملهم البرّ ، ونشرت جنائزهم لسقي الرحمة ، ومثني الشفاعة ، إلّا ما شذّ من فاسق أباح الشرع حماه ، أو غادر وسمه الشؤم الذي جناه ، فتختلّ عرضه عن تخليد مجد ، وتدوين فخر ، وإبقاء ذكر ، لمن لم يهمّه قطّ تحقيق اسم أبيه ، ولم يعمل لما بعد يومه ، فكم خلف مما ذكر فيه يجده بين يديه ، شفيعا في زلّة ، أو آخذا بضبع إلى رتبة ، أو قائما عند ضيم بحجّة ؛ أو عانس يقوم لها مقام متاع ونحلة ، أو غريب يحلّ بغير قطره فيفيده نحلة ، صاعد خدم قاعدا ونائما . وقد رضينا بالسلامة عن الشكر ، والإصغاء عن المثوبة ، والنّصفة عوض الحسرة ، إذ الناس على حسب ما سطّر ورسم ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم . والترتيب الذي انتهت إليه حيلتي ، وصرفت في اختياره مخيلتي ، هو أني ذكرت البلدة « 4 » ، حاطها اللّه ، منبّها منها على قديمها ، وطيب هوائها وأديمها ، وإشراق علاها ، ومحاسن حلاها ، ومن سكنها وتولّاها ، وأحوال أناسها ، ومن دال بها من
--> ( 1 ) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي . راجع : المعلقات العشر ، شرح ودراسة الدكتور مفيد قميحة ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، 1991 ( ص 167 ) . ( 2 ) مسجورة : فيّاضة ، مفعمة . لسان العرب ( سجر ) . ( 3 ) الخبائن : هذا الجمع لم يرد في معاجم اللغة العربية وجاء فيها لفظة : « خبنة » ، والمراد هنا الخفايا ، من قولهم : خبن الشيء يخبنه إذا أخفاه . لسان العرب ( خبن ) . ( 4 ) المراد بالبلدة : غرناطة .